قصة قصيرة ..
حلم اليقظة
جاءت بإستحياء إلى زميلها الجالس تحت الشجرة،
يقرأ فى كتاب ما، ليتزود بالمعرفة، فهو قد حصل مؤخرا على الشهادة العليا من
الجامعة منذ عدة شهور قلائل، وكأنما طرقت عليه الباب، فنتبه لها، أرادت أن تخوض
معه فى حديث خاص، لكنه أمهلها قليلا لكى ينتهى من الصفحات الأخيرة من الكتاب.
وقفت تنتظره حتى يفرغ من القراءة، لأنها تعرف
عندما يهم بقراءة الكتب لا يقاطعه أحد، وبعد دقائق معدودة فرغ من القراءة، فنهض
واقفا يحييها، متأسفا على ما بدر منه من عدم لياقة، لأنه رأى من أدب الذوق
والإحترام أن يقطع قراءته ويكلمها، ولكن هى عادة أعتاد عليها، وهى تعرف هذا منذ
كان طالبا فى الجامعة.
كان عمرهما متقاربان، فنتهيا من الدراسة معا،
ليخرجا إلى عالم آخر، ألا وهو عالم العمل والبحث عن الذات، حدثته عن مستقبله فى
تحقيق الذات، غمغم لها ولم يستطع أن يرد عليها بجواب شافى يثلج صدرها، بعد عدة
أشهر سيتقدمان إلى عامهما العشرون، ومن الآن فصاعدا لابد وأن يرسما طريقهما
المنشود مع الحياة الجديدة.
لم يكن هذا الشاب يفكر فى هذه الفتاة ولا
غيرها الآن، لأنه يترك الحياة كما ييسرها الله، فيأخذ منها نصيبه حتما لما قدره
الله له، لكن الفتاة أوعظته ببعض الكلمات، حتى استيقظ من غفلته، وكأنه عاد إلى وزن
أموره من البداية، وعليه الآن من هذه اللحظة أن ينهض للبحث عن وظيفة دون كلل أو
ملل، ولكن من أين ذلك ؟ حدثته أيضا بأن العمل الحر هو الوسيلة الوحيدة للخروج من
عنق الزجاجة، لأن الحصول على الوظيفة الحكومية طريقها شاق ومتعب.
ذهب إلى فراشه وهو يفكر فيما قالته الفتاة،
واحتار فى أمر هذه المعضلة الصعبة، وعاهد
نفسه على ألا يكل ولا يمل من البحث عن وظيفة، ولكن من أين سيبدأ، ومن أين له
بالمال الذى سيساعده فى إيجاد عمل حر، لكنه لا ينسى أنه خريج تجارة أعمال، وعليه
تطبيق ما درسه فى إدارة العمل الذى ينتهجه، وكانت زميلته هذه تذكره بالوعود
الرنانة التى وعدها إياه منذ دراستهما فى الجامعة، والأحلام المنشودة التى عزم على
تحقيقها بعد تخرجه، وها قد جاء الوقت وحانت الساعة لتحقيق ما حلم به.
أرادت زميلته أن تشاركه فى تحيق أحلامه،
فعرضت عليه بعض المشاريع الصغيرة التى لم تكلفه مبالغ طائلة، وأن تشاركه فى المشروع
وكل كبيرة وصغيرة، ما داموا سيجمعهما القدر تحت سقف واحد، ففكر مليا ورأى اقتراحها
على صواب، فوافق على المشاركة معها.
سعدت الفتاة سعادة بالغة، وبدأوا برسم الفكرة
التى اختاروها معا، ووضعوا مبلغا من المال قابل للزيادة، تقاسموا فيه لشراء المعدة
اللازمة لبدء المشروع، وأيضا الخامات، ودراسة الجدوى للعمل فى تصنيع الملابس
الجاهزة، ذلك هو أنسب المشاريع التى تحقق ربحا تدريجيا فى وقت قياسى، وكانت أولى
خطواتهم شراء الأله من إحدى المصانع التى تجدد مكيناتها، فتطلعوا إلى الصحف حيث
الإعلانات المبوبة، وبعض الأخبار عن هذه الشركات التى تصفى أعمالها فى هذا المجال،
فهناك الكثير من رجال الأعمال يجددون ألاتهم سنويا، وبالفعل سمعوا أن مصنعا يريد
بيع آلاته، ويرغب فى بيع الآلات التى مر عليها عدة سنوات.
سافروا إلى صاحب المصنع وحكوا له عن انشاء
مصنعهم من البداية، فوافق وبارك لهم ما أقدموا عليه، وباع لهم الألات بثمن بخس،
ومن حسن حظهم كان الرجل يشجع الشباب على العمل الجاد بالكفاح والصبر، ومرت الأيام
وتم تركيب الآلات فى أحدى الأماكن التى استأجروها، وعمل المصنع بخبرات بعض
المشتغلين عندهم، وصار ينتج ويباع انتاجه، ثم ينتج ويباع انتاجه، حتى وفر لهم
مبلغا لا بأس به، فطوروه وتوسع فى انتاجه.
وجاءت اللحظة الحاسمة بعد هذا النجاح الباهر
الذى سعوا من أجلها، حتى طلب يد زميلته وشريكته للإرتباط، فوافقت بعد تحقق
أمانيهما وتزوجها فى حفل بهيج، ثم أنجبا طفلا وطفلة يظللهما الحب والوئام.
(انتهت بحمد الله تعالى)
ميت غزال فى 9/1/2024
عضو اتحاد كتاب مصر