حرمة المعازى وبدع السرادقات
المعازى هى الاستماع لقراءة القرآن الكريم على روح الفقيد، وللمعازى لها
قدسيتها واحترامها المتبادل بين المعزى وأهل الفقيد، بحضورهم السرادق للمشاركة فى
مواساتهم وتخفيفا على مصيباتهم، ولكن ما نراه فى المعازى اليوم من بدع مستحدثة على
نمط المعازى التى كنا نتعود عليها قبل سنوات، وهذه البدع ظهرت بقوة فى المعازى هذه
الأيام، فرأينا المغالاة فى طريقة اقامة السرداقات، ورأينا أهل المتوفى يمشون فى
السرادق ذهابا وايابا لتوجيه الشكر لمن حضر، قائلين عبارة : سعيكم مشكور، ولم
يؤديها أهل المتوفى فقط مرة أو مرتان، بل يؤديها من ليس له صلة بالمتوفى، بطريقة
غير مقبولة، فنرى أشكالا وألوانا من الرجال والشباب يسيرون خلف بعضهم قائلين سعيكم
مشكور، وشكر الله سعيكم، مما يؤدى إلى تشتت
ذهن الحاضرين فيخرجوهم عن تدبر القرآن الكريم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالمعزى ملزم أن يقف لمن يمر عليه احتراما
له، وليست مرة واحدة بل مرات عديدة لا تنتهى إلا بعد أن ينتهى القارئ من قرأته،
فكلما جلس لثوان قام مرة أخرى لآخر، وهذا شئ غير محبوب، يقول الله تعالى وإذا قرئ القرآن
فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون.. لذلك على كل من هو حضر للعزاء أن يصتنت للقرآن
دون تشتت احتراما للقرآن أولا، وليس لكل من قام ليلقى تحيته على المعزيين، فيكفى
فقط المصافحة لأخذين الخاطر خارج السرادق، لأن من حياهم بشكر الله سعيكم أو سعيكم
مشكور بدعة لابد وأن تنتهى فورا.
كما إن المعزيين يعرفون جيدا بأن سعيهم مشكور ولا يحتاجون لمن ينبههم،
فإلغاء هذه العادة ستريح المعزيين أولا، ولا يحدث هرج ومرج فى العزاء، لأنى أعتبر
هذا هو من أسوء ما ظهر على واجب العزاء حتى الآن، فقدسية المكان لابد وأن تكون فقط
لسماع القرآن الكريم متدبرا معناه ومترحما على الفقيد.
وهناك أمر هام أخر، ألا وهو بدعة التصوير، فهذه عادة سيئة للغاية، والسؤال
الذى يطرح نفسه، هل نحن فى واجب عزاء أو حضور لفرح؟ وعادة التصوير هذه من أكبر
البدع التى ظهرت أيضا على العزاء، فأين هى الأحزان على الفقيد؟ وهل المعزى
والجنازات التى تبث عبر الموبايلات تلقى احرامها وقدسيتها لدى المعزى، وكأن العزاء
أنقلب إلى مقهى للضحك والهراء، وبدت اللحظات التى تذهب فيها لأخذ الخاطر كفسحة،
وليس لتأدية واجب، فمن المفترض أن تتجلى عليك الأحزان للمتوفى الذى كان يسير بينكم
أمس، ومواساة أهل المتوفى أيضا بكل سكينة واحترام.
لكن من الواضح أن العزاء هو للتباهى فقط، ففيه مغالاة للبدع التى ظهرت
مؤخرا فلابد من الوقف الفورى بعدم التزاحم والتباهى بالسعى بين المعزيين ذهابا
وايابا بهذه الطريقة المفرطة، قائلين : سعيكم مشكور، والتوقف أيضا عن التصوير
الفوتوغرافى والفيديو كما نرى فى جميع السرادقات، والطائرة المسيرة التى تسمى
(دورون). تلك البدائع التى نبدعها فى سرادقات العزاء.
وأمر أخر، علينا أن نفهم جميعا بأن طرق العزاء والمغالاة فيها تكلف على
الأقل خمسون ألف جنيه، وهذا هو المتوسط فى الأنفاق على المعازى، وهناك من يكلف الضعف
والضعف، فلما لكل هذه المغالاة من الأصل، أليس هذا اسرافا، فكان من الممكن أن يكون
أهل المتوفى مستفيدا بهذا المبلغ الذى يذهب فى ليلة هباء.
نحن لا نشكك فى اقامة السرادقات، ولكن لابد وأن نعطيها حقها الذى يضمن للمعزيين
السكينة والخشوع فى تأديتهم الواجب، وليس لهذه الطريق التى لا ينبغى أى نراها فى
مغالاته، كما إن المعزى يحضر للعزاء وهو يعلم جيدا بأن سعيه مشكور، يأتى لسماع
القرآن الكريم آخذا خاطر أهل المتوفى بكل خضوع وخشوع، ليرحم الله فقيدهم، ويلهم
أهله الصبر والسلوان.
تدبروها إن شئتم.